الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
البيت بوصفه ذاكرة: قراءة في فيلم “قيم عاطفية” (Sentimental Values)
عامر هشام الصفّار
2025 / 12 / 29الادب والفن
يُعّد فيلم “قيم عاطفية” من أبرز الأعمال السينمائية النرويجية الحديثة، إذ يقدّم صورة مركّبة لفنان ومخرج سينمائي مسنّ، لا يزال مندفعًا ومتحمسًا لإنجاز عمله الأخير، في مواجهة مباشرة مع أبنتيه البالغتين. الفيلم من إخراج السينمائي النرويجي يواكيم ترير، الذي سبق أن قدّم لمهرجان كان الفيلم الرومانسي الدرامي اللافت «أسوأ شخص في العالم» عام 2021، من بطولة رينات رينسف الحائزة على عدة جوائز، والتي تعود هنا لتؤدي دور البطولة مجددًا.
يتحرّك الفيلم عبر طيف واسع من الحالات المزاجية والأفكار، قبل أن يصل تدريجيًا إلى شيء من الشحنة العاطفية التي يوحي بها عنوانه. فهو فيلم يتناول إشكاليات الأبوة، والذاكرة، والعائلة، ويقدّم مغامرة سينمائية تستدعي في نبرتها وأسلوبها أعمال فيديريكو فيلليني وإنغمار بيرغمان، دون أن تقع في فخ التقليد المباشر.
يؤدي ستيلان سكارسغارد دور الكاتب والمخرج غوستاف بورغ، الذي يستعرض مسيرته المهنية وحياته الشخصية بتداخل ملتبس. فمنذ سنوات طويلة، ترك زوجته سيسيل، وهي أخصائية علاج نفسي، وأبنتيه الصغيرتين، متخليًا عن منزل العائلة — المنزل نفسه الذي نشأ فيه. وبعد وفاة والدته، تعود إلى الواجهة أبنته نورا (رينات رينسف)، وهي ممثلة مسرحية موهوبة، تعاني من نوبات قلق حادة تسبق صعودها إلى خشبة المسرح ومواجهة الجمهور.
أما شقيقتها أغنيس (إنغا إبسدوتر ليلياس)، فتبدو أكثر هدوءًا واستقرارًا؛ إذ تعيش حياة عائلية مستقرة مع زوجها وأبنها الصغير، غير أن هذا الأستقرار يخفي شعورًا دفينًا بالمرارة، يعود إلى طفولتها حين شاركت بدور طفلة ممثلة في أحد أفلام والدها، قبل أن تشعر بالإهمال والهجر فور انتهاء التصوير.
تشرع الأبنتان في فرز محتويات المنزل بحثًا عن أشياء ذات قيمة عاطفية قد ترغبان في الأحتفاظ بها قبل بيعه، لتُفاجآ بأن والدهما غوستاف — على الرغم من صعوبة التعامل معه — لا يزال يمتلك حقوقًا قانونية في المنزل، ويرغب في أستخدامه موقعًا لتصوير فيلم سيرة ذاتية عن والدته، التي أنتحرت هناك متأثرة بصدمة تعذيبها على يد النازيين خلال الحرب.
يحاول غوستاف إقناع نورا بتولي دور البطولة في الفيلم المقترح، مجسّدة شخصية جدتها، معتمدًا على شهرتها المسرحية لإعادة إحياء مسيرته الفنية المتعثرة. كما يطلب من أبنته أغنيس السماح له بأستخدام حفيده كممثل طفل، تمامًا كما فعل معها في الماضي. لكن بعد رفض نورا الغاضب، يُسند الدور إلى نجمة هوليوود راشيل كيمب (إيل فانينغ)، التي تقع تحت تأثير سحر غوستاف خلال مهرجان سينمائي، وتجلب معها تمويلًا استثماريًا ضخمًا، ما يعيد إشعال مشاعر الغيرة والضيق لدى نورا.
لغة بصرية واعية
يتميّز فيلم «قيم عاطفية» بلغة بصرية واعية، تقوم منذ لقطاته الأولى على بناء علاقة عضوية بين المكان والذاكرة. يفتتح الفيلم بلقطة مفتوحة للمدينة، واسعة وهادئة، لا تهدف إلى التعريف الجغرافي بقدر ما تعمل كتمهيد نفسي؛ مدينة تبدو محايدة وشبه صامتة، قبل أن ينكمش الكادر تدريجيًا ليقودنا نحو البيت القديم الذي عاش فيه بطل الفيلم. هذا الأنتقال البصري من العام إلى الخاص ليس عفويًا، بل يؤسس منذ البداية لفكرة محورية: الحكاية ليست عن مدينة أو تاريخ عام، بل عن منزل بوصفه مستودعًا للذاكرة ومسرحًا للألم العائلي المؤجل.
البيت في الفيلم لا يُقدَّم كمجرد موقع للأحداث، بل يتحول إلى شخصية قائمة بذاتها. تكرار العودة إليه عبر لقطات ثابتة أو بطيئة الحركة يمنحه ثقلًا دراميًا واضحًا، ويجعله نقطة التقاء بين الماضي والحاضر، وبين ما تم كتمانه وما يعود ليطفو على السطح. اختيار اللقطات المفتوحة نسبيًا، وما تحمله من مساحات فراغ داخل الكادر، يعكس حالة العزلة والقطيعة العاطفية بين الشخصيات، ويمنح المشاهد مساحة للتأمل بدل فرض المشاعر عليه.
في المقابل، يعتمد يواكيم ترير على اقتصاد صارم في حركة الكاميرا داخل المشاهد الحوارية. فالكاميرا غالبًا ما تبقى ثابتة، أو تتحرك ببطء شديد، وكأنها تراقب الشخصيات من مسافة أخلاقية، دون أن تنزلق إلى تعاطف سهل أو مباشر. هذا الأسلوب يتيح للمشاهد التقاط التفاصيل الدقيقة في الأداء: التردد، الصمت، والنظرات غير المكتملة، وهي عناصر تصنع التوتر الداخلي للفيلم أكثر مما تصنعه الأحداث نفسها.
يأتي الأداء التمثيلي متماسكًا ومقنعًا على نحو لافت. يقدّم ستيلان سكارسغارد شخصية غوستاف بورغ بتوازن دقيق بين النرجسية والهشاشة؛ فهو مخرج أناني في قراراته، لكنه في الوقت ذاته رجل مأزوم، عاجز عن مواجهة فشله الإنساني إلا عبر الفن. أما رينات رينسف فتقدّم أداءً داخليًا مكثفًا في دور نورا، يعتمد على التعبير الصامت أكثر من الأنفعالات الظاهرة، مجسّدة فنانة موهوبة، محاصرة بقلق مزمن وإحساس عميق بالهجر. ويأتي أداء إنغا إبسدوتر ليلياس في دور أغنيس أكثر هدوءًا، لكنه لا يقل أهمية، إذ يمثل الوجه الآخر للأذى العائلي: القبول الظاهري الذي يخفي خيبة قديمة لم تُعالَج.
موسيقاه التصويرية
الموسيقى التصويرية تؤدي دورًا داعمًا غير متسلط؛ فهي موسيقى هادئة ومقتصدة، تُستخدم في لحظات مدروسة بعناية، وغالبًا ما تفسح المجال للصمت ليقوم بدوره الدرامي الكامل. هذا الخيار يعزّز الطابع التأملي للفيلم، ويجنّبه الانزلاق إلى الميلودراما، محافظًا على نبرة إنسانية متزنة.
وعليه، لا يسعى فيلم «قيم عاطفية» إلى إثارة عاطفية مباشرة، بل يبني تأثيره تدريجيًا عبر الصورة، والإيقاع البطيء، والتوترات النفسية غير المحسومة. إنه فيلم عن الفن بوصفه محاولة متأخرة للفهم، وعن مشاكل العائلة بأعتبارها جرحًا مفتوحًا لا تلتئم آثاره بسهولة، حتى حين تُروى القصة أخيراً على الشاشة.
الفيلم يعرض هذه الأيام في دور عرض بريطانية وأوربية خاصة، كما كان قد عرض في مهرجان كان السينمائي بدورته لهذا العام.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سرديات أونلاين | بين الحقيقة والرواية: كيف تتحول المجازر إلى
.. كيف شكلت عقدة -اليهودي الضعيف- ثقافة القوة في إسرائيل؟
.. أتصور في ورشته أفلام وزاره نجوم كتير.. رحلة كفاح -عم أحمد- ف
.. الاستاذ الأديب مبارك عمرو العماري
.. شيرى عادل بعشق اغانى زمان ووالدتى كان نفسها أكمل غناء ودخلت