الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
نبوخذنصر الثاني: -الفصل الرابع- سيرة ملك بين الطين البابلي والنار اليهودية
أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
2025 / 12 / 19
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
الفصل الرابع: التمرّد الأول – أورشليم تنحني دون أن تنكسر
كان شهر كيسليف وهو الشهر التاسع في التقويم الديني العبري، من السنة السابعة لحكم نبوخذنصر الثاني باردًا بشكل غير معتاد حتى على جبال يهوذا. في الأفق الشرقي، بدأت سحب الغبار تتصاعد كأنها دخان معركة لم تبدأ بعد. كان الجيش البابلي يتقدم ببطء متعمد، كما تتقدم موجة مدّ عاتية تعرف أن الشاطئ لن يهرب منها. في مقدمته، عربات الحرب المصفحة، وخلفها صفوف المشاة الكلدانيين المدرعين بالبرونز، ثم وحدات المهندسين الذين يحملون أبراج الحصار الخشبية المفككة على عربات ثقيلة. لم يكن صوت طبول الحرب يعلو، بل صمت ثقيل يقطعه فقط صوت حوافر الخيل وصرير العجلات. كان نبوخذنصر نفسه يركب في المركز، مرتديًا درعه الذهبي المطعّم باللازورد، ينظر إلى أورشليم من بعيد كما ينظر صائد إلى فريسة يعرف أنها لن تفلت.
داخل المدينة، كان الملك يهوياقيم قد مات منذ أيام قليلة فقط – موت غامض، بعضهم قال مرض مفاجئ، والبعض الآخر همس باغتيال داخلي – تمنّاه النبلاء الخائفون من غضب بابل. تولّى ابنه يهوياكين العرش وهو ابن ثماني عشرة سنة فقط، وجهه شاحب، عيناه محمّرتان من قلة النوم، يجلس على كرسي والده وهو يعرف أن عرشه لن يدوم أكثر من أسابيع. حوله في القصر، كان الكهنة يصرخون باسم الرب، والنبلاء يتجادلون حول الاستسلام أو المقاومة حتى الموت، والشعب في الشوارع ينظر إلى السماء بحثًا عن معجزة لن تأتي.
بدأ الحصار في اليوم الأول من شهر طيبت (يناير 598 ق.م تقريبًا). أحاط البابليون بالمدينة من كل الجهات، قطعوا كل الطرق المؤدية إلى عين روجل وعين سلوان، فانقطعت المياه تدريجيًا. بنوا مخيماتهم في سهل الرفايم شمال المدينة، وأقاموا أبراج المراقبة على التلال المحيطة. كان الحصار بابليًّا بكل معنى الكلمة: لم يكن مجرد تطويق، بل عملية نفسية طويلة ومدروسة. كان نبوخذنصر يعرف أن أورشليم لن تقاوم أكثر من ثلاثة أشهر بدون إمدادات، وكان يريد أن يستسلم أهلها بأنفسهم، لا أن يُفتح الباب بالقوة. كل يوم كان يرسل وفدًا صغيرًا إلى أسفل الأسوار يحمل راية بيضاء ويصرخ بالآرامية: «افتحوا الأبواب، ولن تمسّ شعرة من رأس أحد».
لكن داخل المدينة كان الجوع يزداد. في الأسبوع الثالثة بدأ الناس يأكلون الجلود المغلية، ثم الحمير، ثم بدأت الشائعات عن أكل لحوم البشر في الأحياء الفقيرة. كان يهوياكين يخرج كل صباح إلى شرفة القصر، ينظر إلى المخيم البابلي الضخم، ويرى أعمدة الدخان تتصاعد من مطابخ الجنود، فيشمّ رائحة الخبز الطازج التي تحملها الريح لتعذّب الجوعى داخل الأسوار. في إحدى الليالي، جاء إليه كبير الكهنة صفنيا وقال له بصوت خافت: «يا مولاي، الرب لن ينقذ من يقتل شعبه جوعًا من أجل كبرياء فارغ. افتح الأبواب قبل أن نموت جميعًا».
في صباح اليوم الثاني من شهر أدار (16 مارس 597 ق.م)، فُتحت أبواب أورشليم من الداخل. خرج يهوياكين بنفسه على رأس موكب صغير، مرتديًا ثياب الملك لكنه حافي القدمين، يحمل مفتاح المدينة الذهبي على وسادة حريرية حمراء، وسلّمه بيد مرتجفة إلى قائد الحرس البابلي. لم يكن هناك صراخ انتصار ولا دماء. فقط صمت ثقيل سقط على المدينة كلها. دخل نبوخذنصر المدينة في اليوم التالي راكبًا عربته الملكية، دون أن ينظر يمينًا أو شمالاً، متجهًا مباشرة إلى قصر داود.
ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد عقاب، بل عملية جراحية دقيقة لاستئصال كل ما يمكن أن يُنتج تمردًا آخر. في غضون أيام قليلة، تم جمع
كل شيء يمثل قوة أو هيبة في يهوذا:
• الملك يهوياكين وزوجاته وأمه وحاشيته.
• كل رجال الحاشية الملكية والوزراء.
• سبعة آلاف جندي من النخبة.
• ألف حرفي وصانع أدوات معدنية (خاصة الحدادين والنجارين الذين يستطيعون صنع أسلحة).
• كل النبلاء أصحاب الأراضي الكبيرة.
• كهنة الهيكل الكبار، ومعهم بعض الأواني الذهبية والفضية (ليس كلها، فقط ما يكفي لإذلال وليس لتدمير العبادة تمامًا).
تم ترتيب المرحّلين في قوافل طويلة، أيديهم مربوطة بحبال، لكن لم يُضرب أحد ولم يُقتل أحد في المدينة نفسها. كان نبوخذنصر يريد أحياءً يخدمون الإمبراطورية، لا شهداء يلهبون الشعب. ساروا على طريق الملك شمالًا، ثم شرقًا عبر نهر الأردن، ثم عبر الصحراء السورية، حتى وصلوا بعد شهرين إلى أرض بابل. هناك، وزّعوا على مستوطنات خاصة على ضفاف نهر كيبار، وبُنيت لهم بيوت من الطوب اللبن، وأعطوا أراضي زراعية صغيرة، وأُجبروا على العمل في مشاريع الملك الكبرى، لكنهم حافظوا على أسمائهم العبرية، وعلى سبتتهم، وعلى صلواتهم.
في أورشليم، بعد أسبوع من دخول البابليين، أُقيم حفل تنصيب رسمي في ساحة الهيكل. أُحضر متانيا بن يوشيا – عم يهوياكين – وغُيّر اسمه إلى صدقيا، ووُضع التاج على رأسه، وأُجلس على عرش خشبي بسيط بجانب عرش فارغ يرمز إلى نبوخذنصر. أدى صدقيا القسم بالآرامية أمام كبار الضباط البابليين: «أقسم بمردوخ وبنبو أن أكون عبدًا مطيعًا للملك نبوخذنصر ملك بابل، وأن أدفع الجزية في موعدها، وألا أتحالف مع عدو له». ثم وقّع الوثيقة بختمه الملك، وأُعطي نسخة منها ليعلقها في الهيكل كتذكير دائم.
لكن نبوخذنصر لم يكتفِ بذلك. في الأيام التالية، أمر بتفتيش دقيق لكل بيت نبيل، وصودرت الأسلحة، وحُصر عدد الخيول، وفُرض حاكم عسكري بابلي في قلعة المدينة يدعى نبوزرادان، ومِّصَّر (رئيس الطباخين، وهي رتبة تعني في الواقع قائد الحرس الملكي). كما أُنشئت شبكة من الجواسيس المحليين من اليهود أنفسهم، يتقاضون رواتبهم من خزينة بابل، ويرسلون تقارير أسبوعية عن أي همس تمرد.
في الشهر الرابع بعد الاستسلام، غادر نبوخذنصر أورشليم عائدًا إلى بابل، تاركًا وراءه مدينة خضعت ظاهريًا، لكنها لم تنكسر. كان الهيكل لا يزال قائمًا، والعبادة مستمرة، والكهنة يعملون في حقولهم، لكن كل شيء تغيّر. أصبحت الأغاني في الشوارع أخفت صوتًا، والنظرات بين الناس أطول، والصمت أعمق. في البيوت، بدأ الناس يهمسون بكلمات جديدة: «المنفى»، «الرهائن»، «العودة يومًا ما». وفي قلوب الكثيرين، خاصة الشباب الذين بقوا، نبتت بذرة فكرة لم يجرؤ أحد على قولها بصوت عالٍ بعد: أن الانحناء اليوم قد يكون الطريق الوحيد للوقوف غدًا.
كان صدقيا يجلس كل ليلة في قصره الخالي، ينظر إلى العرش الفارغ بجانبه، ويسمع صوت خطوات الحراس البابليين في الساحة الخارجية. كان يعرف أن نبوخذنصر لم يترك له سلطة حقيقية، فقط وهم الملك، وأن كل قرار يتخذه مراقب، وكل حرف يكتبه مسجّل. ومع ذلك، كان في قلبه شيء لم يستطع البابليون اقتلاعه: ذكرى أن هذه المدينة، مهما انحنت، لم تنكسر يومًا، ولن تنكسر أبدًا.
وفي بابل، كان يهوياكين يجلس في بيته على نهر كيبار، ينظر إلى الماء الجاري ويتلو المزامير التي حفظها عن ظهر قلب، ومعه آلاف اليهود الآخرين الذين بدأوا يلتقون سرًّا كل سبت ليغنوا أغاني صهيون، وليحلفوا فيما بينهم أن هذا المنفى ليس نهاية، بل بداية. كانوا يعرفون أن جدران أورشليم قد انحنت، لكن اليوم، لكن جذورها عميقة في الأرض، وذاكرتها أعمق في القلوب.
هكذا انتهى التمرّد الأول: لا بانتصار ساحق، ولا بهزيمة كاملة، بل بانحناءة طويلة ومؤلمة، تحمل في طياتها وعدًا خفيًّا بأن المدينة التي تنحني اليوم، قد تقف غدًا أطول مما كانت وإنّ هذه الانحناءة مجرد إستراحة لالتقاط الانفاس.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هرمز تحت السيطرة الأميركية.. هل خسرت إيران أخطر أوراقها؟
.. نقاش الساعة| دلالات إعلان الرئيس الأمريكي حصار مضيق هرمز وال
.. جولة الصحافة | يديعوت أحرنوت: واشنطن تريد التوصل إلى اتفاق ج
.. مسار يوم كامل من المفاوضات والمواقف المعلنة بعد الإخفاق في ا
.. تفاعلكم | شاهد.. عودة طاقم «أرتميس 2» للأرض بعد رحلتهم التار