الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حكايات إفريقية: لوران كابيلا.. الموت يأتي من قمم الأشجار

حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)

2025 / 12 / 4
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


من بين الحكايات اللافتة في القارة الإفريقية حكاية كابيلا.. لوران ديزيريه كابيلا.
كان لوران كابيلا رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقًا). وقبل تولي الرئاسة، كان ثائرًا على الديكتاتور موبوتو سيسيكو، الرئيس المخلوع للكونغو الديمقراطية حين كانت تُعرف بزائير. اعتمد كابيلا في ثورته على تراث بلاده؛ فاستغل عنصر التراث والعادات والتقاليد بعمق لجذب القبائل إلى صفوف جيشه وحشدها ضد النظام الحاكم. وفي النهاية جمع جيشًا وزحف به إلى العاصمة كينشاسا، وسيطر عليها، وأسقط حكم سيسيكو في مايو 1997، وأصبح رئيسًا للبلاد. سقطت الديكتاتورية المتداعية، وتولى الثوار الحكم.
وكان من أوائل القرارات التي اتخذها كابيلا، بعد أن أصبح رئيسًا، أن أعاد اسم بلاده إلى "الكونغو" كما كان قبل الاستعمار البلجيكي. كانت تلك خطوة تعبّر عن رغبته في القطيعة مع الفترة الاستعمارية وكل ما يتصل بها. ولتمييزها عن الكونغو برازافيل – التي كانت دولة واحدة مع زائير قبل الاستعمار – جعل اسمها "الكونغو الديمقراطية".
لا يمكن وصفه بالنزاهة الكاملة، لكنه كان يسعى إلى إنهاء سيطرة الشركات الأجنبية التي كانت دولها تدعم سيسيكو. ومعه بدأت الكونغو الديمقراطية مسارها نحو الوحدة والاستقرار، وهو ما يعني بدء استقرار منطقة البحيرات في إفريقيا. تخيّلوا الوضع آنذاك: رئيس بتفويض شعبي، بلد واسع المساحة، ثروات طبيعية، تنوع عرقي، محاولة للحسم العسكري تجاه كل حركات التمرد في البلاد، وتصفية للارتباطات والموروثات من المرحلة الاستعمارية… عملاق إفريقي يتأهب للاستيقاظ.
كان طبيعيًّا ألا يروق هذا الوضع – على ما فيه من سلبيات – لبلجيكا ولا للولايات المتحدة، ولا لسائر العصابة الغربية؛ فالنموذج الثوري التحرري قد يُحدث عدوى في القارة الإفريقية، ويهدد النموذج التنموي، الذي بدأ الغرب يروّج له في رواندا المجاورة كدليل على أن لا نجاة لإفريقيا إلا بالارتباط بالغرب. في البداية، جرى دفع رواندا، وبدرجة أقل أوغندا، لدعم ميليشيات شرق الكونغو الديمقراطية استنادًا إلى الخلافات العرقية والسياسية بين البلدين. لكن ذلك لم يكن كافيًا من وجهة نظر العصابة الغربية؛ حيث كان لا بد من التخلص من "الرأس" نفسه، وهكذا كُتبت نهاية كابيلا.
وبما أن الغرب يهوى ترك بصمته – على طريقة العصابات في أفلام هوليوود – فقد كان مقتنعًا بأن نهاية كابيلا ينبغي أن تكون "تراثية"، بما أن الرجل يعشق تراث بلاده. في الكونغو مثل يقول: "الموت يأتي من قمم الأشجار"؛ لأن القناصين في أوساط القبائل يُعرف عنهم أنهم يختبئون فوق الأشجار ليقتلوا من يستهدفون، ثم يفرّون.
في عام 2001، أغتيل كابيلا، وجاء اغتياله بطريقة إفريقية خالصة؛ طريقة ترسم الطريق لأي رئيس يأتي بعده، وهذا ما حدث فعلًا، على الرغم مِن أن مَن خلفه كان ابنه جوزيف. كيف أغتيل؟ انعقد اجتماع بين كابيلا وعدد من الجنرالات، بينهم جنرالات كان قد أقالهم بسبب الهزائم العسكرية أمام المتمردين. ووقع خلاف حاد حول طريقة قتال المتمردين؛ إذ كان الجنرالات يريدون إبرام اتفاق سلام مع المتمردين الذين كانوا يسيطرون على نصف مساحة الكونغو الديمقراطية، لكن كابيلا كان يريد مواصلة القتال، وتحقيق مكاسب، ثم التفاوض بعدها. كان يعلم أن رواندا لن تكتفي بنصف البلاد؛ لأنه كان يفهم الروانديين بحكم تحالفه معهم سابقًا. وخلال المشادة، أطلق الحرس الشخصي لأحد الجنرالات النار على كابيلا فأرداه قتيلًا.
لم تكن نهايته بانقلاب ينفّذه صغار الضباط، بل جاء موته من القمة.. في اجتماع قمة.
عندما وصل ابنه جوزيف كابيلا إلى الحكم، كانت أول ما فعل أن فهم "اللعبة"؛ فقد أدرك أن أموال الغرب أقوى من وعود الإصلاح والوطنية، وأنه مهما اعتمد الإنسان على "الحشائش"، فإنه لا يأمن غدر "الأشجار". فـ"سمع كلام من هو أكبر منه"، وأعاد فتح البلاد أمام الشركات الأجنبية.
وحين صار من الضروري أن ينتهي اسم كابيلا من حكم الكونغو الديمقراطية، جرى عزل جوزيف كابيلا بداعي فساد كان متورطًا فيه حقًّا، لكن الرئيس الذي جاء بعده لم يكن أقل فسادًا منه. والآن يتحالف جوزيف كابيلا مع المتمردين – أعداء والده المدعومين من رواندا – لتستمر الفوضى "المحكومة" في الكونغو الديمقراطية عبر رواندا التي تطمع في أراضٍ وثروات كونغولية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حسن أومريبط : التزامات الأغلبية الحكومية بقيت حبرا على ورق.


.. هل ينجح المغرب في التأثير على وضع البوليساريو داخل الاتحاد ا




.. العدد 649 من جريدة النهج الديمقراطي - تقديم الرفيق عبد القاد


.. جمال كريمي بنشقرون ضيف برنامج -مناظرات- على أمواج الإذاعة ال




.. بودكاست نحو عالم أفضل الحلقة 5 : الحرب والوضع المعيشي.