الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هيباتيا: شمس الأسكندرية المشرقة في عتمة التطرف والإرهاب
أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
2025 / 11 / 17
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
مدينة النور والظلال
في أعماق الإسكندرية القديمة، تلك المدينة الساحرة التي بناها الإسكندر الأكبر عام 331 ق.م كجوهرة حضارية على شاطئ البحر المتوسط، كانت الحياة مزيجاً من التناقضات الجميلة. كانت الإسكندرية في القرن الرابع الميلادي مركزاً للعلم والفلسفة، حيث يلتقي الشرق بالغرب، واليونان بمصر القديمة، والوثنية بالمسيحية الناشئة. في أوربا حيث كانت غارقة في التخلف والرجعية، كانت هناك مكتبة الإسكندرية، ذلك الصرح الذي احتضن ملايين اللفائف، كان رمزاً للمعرفة الإنسانية غير المحدودة. وفي هذا الجو من الازدهار الفكري، ولدت هيباتيا حوالي عام 355 ميلادياً، ابنة أستاذ الرياضيات الشهير ثيون، آخر أساتذة جامعة الإسكندرية. لم تكن هيباتيا مجرد امرأة في عالم يسيطر عليه الرجال؛ كانت رمزاً للعقل الحر، وللفلسفة التي تتجاوز الحدود الدينية الصارمة، وللمعرفة التي تتحدى السلطة الدينية المتزايدة. شمسها أشرقت في زمن بدأ فيه الظلام يتسلل: صعود المسيحية كدين دولة، وتحول الإيمان من ملجأ المضطهدين إلى سلاح المستبدين.
النشأة: بذرة العبقرية في تربة العلم
نشأت هيباتيا في بيت يعج بالكتب والمناقشات الفلسفية. والدها ثيون – أستاذ رياضيات وآخر مديري “الموسيون” (جامعة الإسكندرية) – لم يعاملها كابنة عادية؛ بل كوارثة للعلم. علمها الرياضيات، الفلك، والفلسفة اليونانية، مستلهماً من أفلاطون وبلوتينوس. كانت تتميز بجمالها الجسدي والروحي، لكنها رفضت الزواج، مفضلة العنوسة كوسيلة للحفاظ على استقلاليتها الفكرية. يروي المؤرخ داماسكيوس أنها، عندما تقدم لها خاطب، أظهرت له منديل به دماء دورتها الشهرية قائلة: “هذا هو ما تحبه في النساء، أما أنا فأفضل العقل على الجسد”. هذه القصة، سواء كانت حقيقية أم رمزية، تكشف عن شخصيتها القوية، التي لا تخشى التحديات الاجتماعية أو الجنسية. يصفها سقراط السكولاستيكوس، وكان مؤرخ مسيحي معاصر: “بسبب سيطرتها على النفس وسهولة تصرفها الناتجة عن تنمية عقلها، كانت تظهر أمام المسؤولين دون خجل، وكان الجميع يعجبون بها بسبب كرامتها وفضيلتها الاستثنائية”.
إسهاماتها العلمية: عبقرية تسبق عصرها بقرون
حوالي عام 400 ميلادياً، أصبحت هيباتيا رئيسة المدرسة الأفلاطونية في الإسكندرية، حيث درست شباباً أثرياء من أنحاء الإمبراطورية، مسيحيين ووثنيين على حد سواء. لم تكن مدرستها مقسمة دينياً؛ كانت مفتوحة للجميع. كتبت شروحاً توضيحية على أعمال إقليدس وبطليموس لجمهور أوسع، وعدلت على “المجسطي” لبطليموس مع والدها، محسنة الجداول الفلكية وطرق الحساب. شرحت “الحساب” لديوفانتوس، أبو الجبر، مضيفة حلولاً بديلة وطرقاً للتحقق من الصحة. أعادت كتابة أجزاء مفقودة من “المقاطع المخروطية” لأبولونيوس، رابطة إياها بالفلك – وصفت مدار الكوكب كقطع ناقصة قبل كبلر بـ1200 سنة. اخترعت الأسطرلاب المسطح، وهي أداة فلكية أخف وأدق، والهيدرومتر لقياس كثافة السوائل، وجهاز تقطير زجاجي. طورت طريقة قسمة طويلة أكثر كفاءة رغم قيود الأرقام الرومانية. كانت تُعلّم طلابها صنع هذه الأدوات بأيديهم، لقد حولت هذه السيدة الثقافة والمعرفة من أسرار نخبوية إلى أداوات في متناول الجميع. من تلاميذها سينيسيوس القوريني، الذي صار أسقفاً مسيحياً، وكتب رسائل تعبر عن إعجابه: “كانت فيلسوفة ذات سمعة هائلة، مكرسة للأباثيا (تحرر العواطف)”.
فلسفتها: الواحد، موسيقى الكواكب، والتأمل الداخلي
كانت هيباتيا نيوبلاطونية، تؤمن بـ”الواحد” كمصدر أزلي للوجود، ينبعث منه الكون بتدرج من الكمال إلى النقص. مستلهمة من فيثاغورس، رأت الكون مرتباً عددياً، مع الكواكب تتحرك في مدارات تتوافق مع فواصل موسيقية، مما يخلق “موسيقى الكواكب”. استخدمت الهندسة كأداة تأملية لفهم الثنائية بين المادة والروح. لم يكن هناك فرق واضح بين الفلك والتنجيم، مما جعل خصومها يتهمونها بالسحر. كانت فلسفتها دعوة للتأمل الشخصي في طبيعة الواقع، غير مرتبطة بإله معين، تتعارض مع الطاعة العمياء للكنيسة. شجعت الاستقلال الفكري، مما يجعلها متوافقة سطحياً مع التوحيد المسيحي، لكنها تهدد الطائفية. هنا يكمن العمق الفلسفي: هيباتيا رمز للصراع الأبدي بين العقل والإيمان، بين الاستبداد الديني والحرية الفكرية. تذكرنا بأن المعرفة ليست ملكاً لأحد، وقمعها يؤدي إلى فقدان الإنسانية.
السياق التاريخي: من السنكريتية إلى التطرف المسيحي
كانت الإمبراطورية الرومانية تتميز بالسنكريتية الدينية، مزج آلهة مختلفة مثل سرابيس (زيوس + أوزيريس)، راعي الإسكندرية. معبد السرابيوم احتضن بقايا المكتبة، قاعات محاضرات، وتماثيل فنية. في 312، انتصر قسطنطين في جسر ميلفيان، رأى الصليب، اعتنق المسيحية. مرسوم ميلان (313) أنهى الاضطهاد، لكنه صادر أموال المعابد، حظر السحر (باستثناء استخدامه الشخصي). مجمع نيقية (325) أسس العقيدة، أحرق كتب آريوس وغيره. قسطنطين، الذي قتل ابنه وزوجته، وجد في المسيحية تطهيراً، كما يقول زوسيموس. بعد وفاته، تقلبات، لكن ثيودوسيوس الأول (379) أعلن المسيحية دين الدولة (380)، حظر الطقوس الوثنية (391)، حتى في المنازل. البارابالاني – ميليشيا رهبانية – وصفهم يونابيوس بـ”خنازير بشرية”، هدموا معابد، هاجموا يهوداً. في الإسكندرية، ثيوفيلوس (385–412) دمر السرابيوم (391)، أحرق مكتبته، حوّله كنيسة.
كيرلس وأوريستيس: الصراع على السلطة
في 412، خلف كيرلس عمه ثيوفيلوس بعد صراع عنيف. طرد اليهود (414)، أغلق معابدهم. أوريستيس، حاكم معتدل مسيحي، صديق هيباتيا، رفض سيطرة كيرلس، كتب للإمبراطور. كيرلس عرض إنجيلاً للمصالحة؛ رفض أوريستيس. هاجم 500 راهب أوريستيس، جرحوه بحجر؛ عُذب المهاجم حتى الموت، فأعلنه كيرلس شهيداً. هيباتيا، مستشارة أوريستيس، اتهمت بالسحر لإبعاده عن الكنيسة. يقول السودا: “كيرلس غار منها فدبر قتلها بأبشع صورة”.
القتل: جريمة في وضح النهار
في مارس 415، أثناء ركوب عربتها، هاجمها البارابالاني بقيادة بطرس القارئ. سحبوها إلى كنيسة القيصريون (معبد سابق)، خلعوا ملابسها، جردوها بلحمها بقذائف محار حادة، قطعوا أطرافها، أحرقوا جثتها في كينارون – سخرية من طقوس وثنية. يروي يوحنا النيقيوي: “كانت مكرسة للسحر والأسطرلاب، فأغوت أوريستيس”. لم يُدان كيرلس؛ قلّص الإمبراطور البارابالاني من 800 إلى 500. أغلقت المدرسة، هاجر الفلاسفة، فقدت أعمال هيباتيا، و90% من التراث اليوناني.
إذا ما أختزلنا العمق المتعدد الأبعاد: نفسي، اجتماعي، فلسفي، علمي
نجد أن نفسياً: رفض هيباتيا الزواج لكي تتحرر من الهوية الجنسية؛ محاضراتها كسرت حاجز الخوف. بالمقابل كان كيرلس ذو طموح مقدس لكي يعوض نقصاً داخلياً، كانت كراهيته للمرأة العالمة المثقفة هاجس وخوف من فقدان السيطرة.
اجتماعياً: تحولت الإسكندرية من تعددية إلى مسيحية قسرية؛ البارابالاني تحولوا من مساعدي مرضى إلى ميليشيا؛ قامت بطرد اليهود وملاحقة الوثنيون وبداية تطهير عرقي ديني.
فلسفياً: هيباتيا: كانت العقل وطريق الخلاص؛ بينما كان كيرلس: الطاعة والتطرف والبرغماتية.
صراع أبدي بين الحرية الفكرية وبين السلطة.
علمياً: قتلها أغلق المدرسة، هاجر العلماء إلى بيزنطة وفارس؛ تأخرت أوروبا ألف سنة.
في النهاية كانت شمس لا تغيب
لم تمت هيباتيا في 415. عاشت في كبلر، نيوتن، كل امرأة تفكر. كيرلس صار “قديساً”، لكن التاريخ يقول عبر سقراط السكولاستيكوس: “تفوقت على الفلاسفة كرامة وفضيلة”. في زمن التعصب، تذكرنا دائما بأن العقل ليس خطيئة؛ التطرف هو الخطيئة. قتلها كان رمزاً لانتقال مساحات الفلسفة إلى صندوق الدين، فقدت الإنسانية هذا التراث الكلاسيكي حتى بداية عصر النهضة.
المصادر:
1. Soraya Field Fiorio, “The Killing of Hypatia,” Lapham’s Quarterly, 2019.
2. “Hypatia of Alexandria,” World History Edu.
3. Soraya Field Fiorio, “The Murder of Ancient Alexandria’s Greatest Scholar,” TED-Ed.
4. Dzielska, Maria. Hypatia of Alexandria. Harvard University Press, 1995.
5. Watts, Edward. Hypatia: The Life and Legend. Oxford University Press, 2017.
6. Socrates Scholasticus, Historia Ecclesiastica, Book VII.
7. Synesius of Cyrene, Letters to Hypatia.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
التعليقات
1 - الشهيدة العظيمة هيباتيا خالدة الذكر
Magdi
(
2025 / 11 / 19 - 09:02
)
مقالكم ممتاز ومؤثر جدا.
هى فخر النساء فى قمة المعارف والفضيلة .
تكريمها لا يتوقف .
فى كتابها Story of the church of Egypt - 1897
ترجم بعنوان تاريخ الأمة القبطية
قالت
Edith Bucher
أن بقاء الأقباط رغم اضطهاد القرون يعد الأعجوبة الثامنه (تضاف إلى عجائب الدنيا السبعة) وأعتبرت أغتيال هيباتيا وصمة عار .
يوجد فيلم عن هيباتيا بعنوان
Agora
يمثل الصراع بين العلم والدين .
سبق أن كتبت عنها :
الغوغاء أغتالوا الجميلة هيباتيا عالمة الرياضيات ( تربصوا بها ذات يوم ، وهى خارجة من قاعات الدرس ، وانتزعوها من فوق عربتها ، وسحبوها إلى حصن الكنيسة حيث جردوها من ثيابها ورجموها ثم قطعوها إربا إربا وأحرقوها ) أنظرحسين فوزى : سندباد مصرى ص158
عصماء بنت مروان كانت تقرض شعر يمس محمد (ص ). غرس أحدهم سيفه فى صدرها وهى بين أطفالها ثم سأل الرسول هل عليه جزاء فقال له (لن ينطح فيها عنزان !)
يوجد فى مصر تمثال لهيباتيا ولا يوجد تمثال لعصماء
تحياتى . مجدى سامى زكى
Magdi Sami Zaki
.. ما هو الحصار البحري؟ • فرانس 24 / FRANCE 24
.. رغم مغادرة الوفدين باكستان.. هل لا تزال المفاوضات مستمرة بين
.. عاجل | ترامب يدرس توجيه ضربات محدودة لإيران بعد فشل المحادثا
.. انتخاب مجلس النواب مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني نزار آميدي
.. الولايات المتحدة تعلن فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيران