الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
وداد الأورفلي: أيقونة الفن العراقي المعاصر وحارسة الذاكرة الجمالية
عامر هشام الصفّار
2025 / 5 / 24الادب والفن
في عمر السادسة والتسعين، ما زالت الفنانة التشكيلية العراقية وداد الأورفلي تمثل علامة فارقة في تاريخ الفن العراقي والعربي. تقيم الأورفلي اليوم في عمّان، الأردن، وقد نحتت خلال عقود من الإبداع، مسيرة غنية تتجاوز حدود اللوحة التشكيلية لتشمل الشعر والموسيقى، فكانت بحق فنانة شاملة، تجسّد روح بغداد بجمالها وحنينها، وتُعطي للألوان ذاكرة لا تنسى.
الطفولة والبدايات المبكرة
ولدت وداد الأورفلي في بغداد لعائلة ميسورة تهتم بالثقافة، ومنذ طفولتها الأولى أظهرت ميولاً فنية لافتة، إذ بدأت الرسم في سن مبكرة، وكانت تمضي ساعات طويلة في عزلتها مع الألوان والفرشاة، قبل أن تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها. لم يكن الرسم مجرد هواية بل هاجساً وحاجة روحية عميقة.
من بيروت إلى بغداد: التكوين الأكاديمي
بدأت دراستها للفن في العاصمة اللبنانية بيروت، في واحدة من أبرز فترات التفاعل الثقافي العربي، قبل أن تعود إلى بغداد لتكمل دراستها في كلية الملكة عالية. لم يكن تعليمها الأكاديمي مقتصراً على الأطر النظرية، بل كان لصيقاً بتجربتها الذاتية ووعيها الفني. وقد واصلت دراستها تحت إشراف الفنان العراقي الرائد خالد الجادر، أحد أهم أساتذة الفن التشكيلي الحديث، وتخرجت من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1960.
مسؤولة التراث وحامية الذاكرة البغدادية
في مرحلة لاحقة، تولت وداد الأورفلي مسؤولية متحف التراث الشعبي في بغداد، وكان لذلك تأثير عميق على مسيرتها الفنية. وقد أظهرت أهتماماً خاصاً بسوق الصفافير، ذلك السوق البغدادي العتيق المتخصص في حرفة الطرق على النحاس. لم تكتفِ بمراقبة هذا التراث، بل وثّقته، وأدخلت عناصره إلى عالمها التشكيلي، مانحةً الفن الحرفي مكانته التي يستحقها كفن شعبي عريق يعبر عن الهوية الجمعية.
قاعة الأورفلي: أكثر من صالة عرض
في عام 1983، أفتتحت قاعتها الفنية الخاصة في بغداد، والتي حملت أسمها: "قاعة الأورفلي للفنون". لم تكن هذه القاعة مجرد صالة عرض بل كانت مركزاً ثقافياً متكاملاً، أستضافت معارض وفعاليات ثقافية وشعرية، وشكلّت فضاءً حيوياً للقاء الفنانين والمثقفين، ومركز إشعاع للحراك التشكيلي العراقي والعربي.
من الواقعية إلى الفنتازيا
تنوّعت أساليب وداد الأورفلي الفنية، فمرت بتجارب واقعية قبل أن تستقر في أسلوب فني يجمع بين الرمزية والفنتازيا. عالمها التشكيلي متخم بالألوان الدافئة، الوجوه الحالمة، والعناصر الشرقية المستوحاة من الزخرفة الإسلامية والموروث الشعبي. وقد تناول الناقد العراقي محمد الجزائري تجربتها في كتابه "من الواقعية إلى الفنتازيا"، الذي يوثق هذا التحول البارز في أسلوبها ويحلل ملامح تجربتها الفنية.
تكريم في عمّان
في عمّان، حيث تقيم اليوم، أقيم لها وبحضورها في شهر مايس/آيار 2025 معرض فني فخم احتفاءً بمسيرتها الطويلة، وقد وثّقت عدسة المعماري والفنان المبدع إحسان فتحي لحظاته، ناقلاً للجمهور روح المعرض وما يحمله من ألق الألوان ووهج الذاكرة.
الشاعرة والموسيقية
إلى جانب الفن التشكيلي، كانت وداد الأورفلي شاعرة مرهفة وصاحبة ذائقة موسيقية عالية، مما منح أعمالها بعداً وجدانياً عميقاً. لها روحها التي تنبض بالشعر والمعاني الجميلة، وألوانها تتراقص على إيقاع داخلي يُحاكي الموسيقى الشرقية.
إرث لا يُنسى
اليوم، تقف وداد الأورفلي شاهدة على جيل من الفنانين الذين أعادوا تشكيل الذائقة العراقية والعربية. أن حضورها الفني والإنساني ما زال حياً، وسيرتها تُدرّس كجزء من تاريخ الفن العراقي الحديث. لم تكن وداد الأورفلي مجرد فنانة، بل كانت حافظة لذاكرة وطن، وملهمة لأجيال من التشكيليين الذين تتلمذوا على رؤيتها وشغفها.
رحلة وداد الأورفلي ليست فقط سيرة فنانة، بل مرآة لزمن عراقي مضيء، محفور على جدران بغداد وألوانها، وممتدّ اليوم في سماء عمّان، حيث تستمر في العطاء، في صمت النبلاء وعنفوان المبدعين.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سرديات أونلاين | بين الحقيقة والرواية: كيف تتحول المجازر إلى
.. كيف شكلت عقدة -اليهودي الضعيف- ثقافة القوة في إسرائيل؟
.. أتصور في ورشته أفلام وزاره نجوم كتير.. رحلة كفاح -عم أحمد- ف
.. الاستاذ الأديب مبارك عمرو العماري
.. شيرى عادل بعشق اغانى زمان ووالدتى كان نفسها أكمل غناء ودخلت