الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
في ضيافة الفنان الهولندي رامبرانت...
عامر هشام الصفّار
2024 / 8 / 18الادب والفن
دخلت بيته-متحفه قبل أسابيع قليلة حيث كنت في زيارة لمدينة أمستردام عاصمة هولندا..أستأذنت رامبرانت (1603-1669) الدخول وأنا أطرق باب بيته الذي حوّله المسؤولون الى متحف يسّر الناظرين من المهتمين بفن رامبرانت في عصره الذهبي..
أما بخصوص البيت فهو الذي بني في بداية القرن السابع عشر في منطقة راقية جميلة من مناطق أمستردام التي لم يفارقها رامبرانت يوما.... وكان أن تجولت في المكان (يقع البيت في شارع جودنبر يسترات) وبحثت عن السبب الذي دفع الفنان الشهير لأن يشتري بيته هذا بالذات في الشارع الذي به..وسألت عن الأمر....فلاحظت أن البيت فيه من الغرف ما يربو على الخمس، وهي وأن كانت صغيرة الحجم نسبيا الاّ أنها كانت كافية له ولعائلته ولعمله في مرسمه الخاص..والبيت بطوابقه الثلاثة يقع في نهاية الشارع الذي تظلله الأشجار العالية..ويمر قريبا منه نهير كان منذ زمن رمزا للمدينة التي يدعي اهلها أنهم أنقذوها بمهارتهم من أن تغوص تحت المياه...ثم أن الأخبار تقول أن رامبرانت لم يهنأ بالبيت هذا حيث فجع بزوجته التي ماتت نتيجة أصابتها بمرض السل، وبأولاده الذين توفوا وهم بأعمار الطفولة. وبيع البيت قبيل وفاته بسنوات قليلة بثمن بخس..
وهو المسؤول في المدينة أمستردام الذي قرر أن يتحول البيت الى متحف ليضم ما يزيد على 250 لوحة فنية من لوحات البورتريت التي عرف بها الفنان رامبرانت، أضافة الى لوحات أخرى تميز بها فنه..كما ضم المتحف غرفة خاصة بدراسة فن رمبرانت رقميا ومشاهدة أفلام فيديو خاصة عنه.
رحت أسير بخطوات وئيدة في غرف البيت، وغرفة ورشة عمل الفنان..وسماعات لجهاز حديث بأذني أستمع من خلالها لصوت نسائي رقيق يتحدث عن المتحف وفن اللوحة عند رامبرانت، واصفا المكان مع لوحاته ودلائلها.. كما رحت أصعد السلالم الضيقة بتؤدة متحفزا ومتوقعا مفاجآت من أعمال فنية قرأت عنها وأستمتعت اليوم وأفدت وأنا أشاهدها وأتمعن في تفاصيلها...
في لوحات رامبرانت تحس ذلك التعبير المدهش عما يريد أن يوصله الى المتلقي .. كان الفنان على أطلاع بنظريات العلم في الضوء والظلال.. وكانت له أراؤه وافكاره في مصير الأنسان.. وقد عرف عنه أنه يرسم أحيانا بأستخدام ماء الذهب حيث كانت لوحته "الأشجار الثلاثة" خير نموذج على ذلك... كما يرسم اللوحات الكبيرة التي فيها الحركة ومجموع الأشخاص في الضوء والظل.. فجاءت لوحته رؤية ليلية لتعبر عن عبقرية رامبرانت الفنية، مما أحتفى به المتحف فخصص للوحة هذه عرضا رقميا جميلا.. مع العلم ان اللوحة الأصلية كنت قد شاهدتها في متحف آخر في أمستردام هو متحف ريجيكس الواقع في مركز المدينة بقاعاته الفارهة وحديقته الغنّاء.
ولعل لوحته "درس التشريح" مع الدكتور تولب هي من أشهر لوحاته والمعبرة عن فن عصره الذهبي..حيث أستخدم اللون والضوء فيها للتركيز على الموضوع، فرسم البروفيسور تولب وهو يشرح لسبعة أطباء آخرين طريقته في تشريح جثة أنسان أمامهم، معرّفا بذهن وقاد بأنسجة الجسم وأعضائه..
ولابد من القول بأن رامبرانت كان قد رسم البورتريت أو اللوحة الشخصية له نفسه، حيث ترك لنا ما يقرب من ثمانين لوحة شخصية أهتم بها مؤرخو فنه، حيث جعلته لوحاته هذه مشهورا في أوساط الفن العالمية...
ولعل الفرصة تسنح لك عند دخولك بيوت الناس من أن تتعرف على بعض من العادات والتقاليد من خلال المكان ومقتنياته وأثاثه ومحتوياته... وهكذا كان الأمر مع رامبرانت صاحب السرير الذي لا يزيد طوله على 150 سنتمترا، وصاحب أغطية السقف التي تحافظ على نظام الأضاءة في البيت، هذا أضافة الى ما كان الرجل مولعا به من مقتنيات تخص النبات والحيوان كنماذج تجدها في كل مكان من البيت المكتظ باللوحات وبكل شيء آخر...!..
تذكرت في هذه اللحظات ما قاله الفنان فنسنت فان كوخ ((1853-1890) عن رامبرانت يوما : «يمضي رامبرانت في الغموض إلى درجة أنه يقول أشياء لا توجد في أية لغة. من العدل تسمية رامبرانت بالساحر- وهي ليست مهنة سهلة».
مضى الوقت سريعا في بيت الفنان الكبير... ودّعته وأنا أنظر في عينيه، فأبتسم لي وأهداني نسخة ورقية من لوحة "درس التشريح" التي وجدت طريقها لأحدى محطات المترو في المدينة-امستردام..تلك المدينة التي لن تفارق نسيج ذاكرتي...
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سرديات أونلاين | بين الحقيقة والرواية: كيف تتحول المجازر إلى
.. كيف شكلت عقدة -اليهودي الضعيف- ثقافة القوة في إسرائيل؟
.. أتصور في ورشته أفلام وزاره نجوم كتير.. رحلة كفاح -عم أحمد- ف
.. الاستاذ الأديب مبارك عمرو العماري
.. شيرى عادل بعشق اغانى زمان ووالدتى كان نفسها أكمل غناء ودخلت