الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قبل أن يتلاشى الدخان (قصة قصيرة)
حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)
2023 / 11 / 23
الادب والفن
لَكَمْ أَحَبَّ صخب المقاهي في تلك الليلة!
عندما لاحت لعينيه أضواء المقهى، وحمل الهواء صخب رواده إلى أذنيه، شعر بقدميه تجذبانه إلى الداخل ليمضي بعض الوقت. طاوع قدميه، ودخل المقهى، على الرغم مما كان يتوقعه من صخب وضجيج؛ هما آخر ما يحتاج إليه في تلك الليلة.
لكنه عندما دخل، وجلس قريبًا من بابه الرئيسي إلى مائدة صغيرة ذات مقعدين، أدرك خطأ توقعاته؛ فعلى الرغم من أن الساعة لم تكن قد تجاوزت التاسعة ليلًا، كان عدد الجالسين قليلًا؛ فكان الصخب هادئًا، إن جاز التعبير. كان ذلك الصخب الذي يأخذك من نفسك، لكن دون أن يجهز على خلاياك العصبية. ربما حالت برودة الجو دون زيادة الرواد إلى المستوى المعهود.
امتنان بالغ شعر به إزاء المقهى، ورواده، وبرودة الجو.
طلب الشاي، وراح يتشاغل بالتجوال بعينيه في أرجاء المقهى متحاشيًا تركيز النظر على منضدة بعينها، قبل أن يطلق في الهواء زفرة ساخنة فاقت سخونة المشروبات الدافئة التي تراصت فوق الموائد القليلة المشغولة. زفرة بدا من الواضح أنها كانت على درجة من القوة جذبت معها انتباه عدد من رواد المقهى؛ فراحوا ينظرون إليه في دهشة امتزجت في أعين بعضهم بشيء من الارتياب، قبل أن يعود كل منهم إلى ما كان يفعل، على وعد أكيد بالاندهاش والارتياب مجددًا، إن تكررت فعلته.
جاء الشاي؛ فأخذ يتأمل لونه الأحمر المائل إلى السواد، وقد راحت ألسنة الدخان تتصاعد من سطحه. ومع تأمله لكوب الشاي، ابتسم في حنين حزين؛ إذا تذكرها؛ وهي تسأله في دلال: "أتحبني؟!". سهم حارق اخترق قلبه؛ وهو يتذكر ضحكات عينيها، عندما اندفع مجيبًا: "أحبك جدًّا"، قبل أن يضيف في عفوية صادقة: "أحبك، بشدة حتى أنني أحبك أكثر من كوب الشاي!".
أغمض عينيه بشدة، ربما ليتوارى في ظلمتهما من سهام الذكريات، وقد راح الحنين يعتصره حتى أنه تمنى لو كانت بجواره في تلك اللحظة ليحتويها بين ذراعيه، ويطبع على شفتيها قبلة طويلة حارة، قبل أن يترك رأسه يسكن في أحضانها ملتحفًا ليل شعرها الطويل، ولتزأر العاصفة بعدها.
أفاق من ذكرياته على صوت شاب يسأله هل يستطيع أن يأخذ المقعد الآخر . لأجزاء من الثانية حدّق إلى وجه الشاب غير فاهم ما الأمر، قبل أن يستوعب السؤال، ويشير له أن تفضل.
وبينما أخذ الشاب المقعد، واستدار إلى مائدة قريبة ليجلس من عدد من أصحابه تعالى ضجيجهم، احتسى هو الشاي على عجل؛ وهو يشعر بالامتنان إلى الشاب على الرغم مما منحه إياه من مفاجأة؛ إذ أدرك أن البقاء في المقهى وسط بحر ذكرياته هذا سوف يقتله.
لماذا لم يكن المقهى أكثر ضوضاءً وجلبة؟!
نهض من مكانه، وسار نحو النادل لينقده ثمن كوب الشاي مع شيء من البقشيش، ثم حانت منه التفاتة إلى داخل المقهى ليخيَّل إليه أنه يرى دخان المشروبات الساخنة، وقد تجمَّع في فضاء المقهى طيفًا لطيفًا منحه ابتسامتها العذبة.
راح ينظر إلى الطيف في حب، وخُيِّل إليه أن الطيف ينظر إليه في حنان إلى أن بدأت خيوطه في التحرك، مع نسيم الهواء البارد، وحركة الرواد، نحو النافذة القريبة ليخرج منها صاعدًا نحو السماء.
وفي طريقه، راح يلتفت بين فترة وأخرى؛ لينظر في ألم إلى السحابة الرقيقة الآخذة في الصعود، قبل أن تلاشى الدخان.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ريلكه.. الشاعر الذي عاد بعد 100 عام ليُلهِم العالم من جديد |
.. الفنان هانى رمزى من أمريكا فيه 9 مليون مواطن بيتظاهروا ضد تر
.. سرديات أونلاين | ترامب يعلن حصار هرمز بعد فشل محادثات إسلام
.. تغطية خاصة | مفاوضات إسلام آباد تدخل المرحلة الفنية وتبادل ن
.. فيلم عرض وطلب | بطولة سلمى أبوضيف ومحمد حاتم ورحمة أحمد وعلي