|
الزليج فرادة مغربية
ادريس الواغيش
الحوار المتمدن-العدد: 8239 - 2025 / 1 / 31 - 04:49
المحور:
الادب والفن
قلم: إدريس الواغيش ....... يفترض عادة أن لا تجادل أحدا في شيء أنت مالكه ومقتنع به، لأن العنيد لن يقتنع بقولك، والمتحيز لن يسمع إلى كلامك، والحسود سيمشي عكس تيارك. ومع ذلك نقول، ولو من باب القول، لو افترضنا جدلا أن الزليج الموجود في قصر المشور بتلمسان جزائري، كما يدعي أهلنا هناك. ماذا لو صفرنا الأشياء وبدأناها من الصفر، وأرسلنا جرافة ورجالا بمعاولهم من فاس، وهي عاصمة الزليج المغربي ومهده ومنبته، وهدمنا كل ما هناك في تلمسان من زليج وفسيفساء، وأثخنا فيه فسادا وإفسادا وتخريبا. هل سيكون باستطاعة الحرفيين الجزائريين حينها إعادة ترميمه؟ أم سيكونون مضطرين لاستدعاء حرفيي الزليج من المغرب، كما فعل كبيرهم ورئيسهم السابق عبد العزيز بوتفليقة رحمه الله؟ الزليج ليس دروسا تعطى في المدرسة، ولا هندسة وعلوما تدرس في الجامعات والمعاهد العليا الحديثة، وإلا كانت كوريا والصين وأمريكا وكندا وكافة الدول الأوروبية سباقة إليه ورائدة فيه، ومتفوقة علينا حتى في صناعاتنا التقليدية، كما هو عليه الحال في باقي الفنون والعلوم والتكنولوجيات الحديثة. ولكن نحمد الله أن الصين حاولت، ولم تفلح في سعيها، وبالتالي يئست من تقليدنا ومزاحمتنا في ذلك. وبقي الزليج المغربي "حالة" انفرد بها المغرب عن غيره من الأمم، متميز في تعبيره عن ثقافة أمة مغربية عريقة، اجتمع فيها من الأجناس والأقوام ما لم يجتمع في غيرها. وصلت إلى المغرب قوافل من المهاجرين عبر قرون غابرة، فيها عرقيات وإثنيات من القارات الثلاث الأكثر قدما في التاريخ: إفريقيا جنوب الصحراء، عرب آسيا من شرق أوسطها وموريسكيو جنوب أوروبا من الأندلس، تعايشت فيما بينها وتصاهرت على مدى أكثر من 12 قرنا، ومن ثمة خرجت منها هذه الفرادة، وهذا التميز والاستثناء المغربي. الزليج المغربي ليس أهواء، ولا ادعاء أو خلط الألوان وطباعتها. هو عبقرية مغربية بامتياز، حبانا الله بها، ونحن له من الحامدين الشاكرين على عطائه. الزليج المغربي تعبير عن ثقافة متجذرة في الأمة المغربية، وهو بصمة هويتها. والثقافة كما نعرف خبرات ومعارف، وهذا التراكم المعرفي يكتسب، ولا يأتي إلا عبر توالي عشرات القرون ومئات السنين، وهذا غير متوفر في دولة الجزائر. الزليج المغربي أكثر من تجميع ألوان وزخرفة، هو أكثر بكثير من ذلك، إنه هندسة وثراء فكري وفلسفة. وهو فوق ذلك تعبير عن حالة وجدانية وتصوف وزهد، ومن خلاله يحاول المعلم الزلايجي المغربي التقرب إلى الله عز وجل. وصناعة الزليج المغربي، كما النقش على الجبس والخشب، تجتمع فيه عدة علوم حقة: رياضيات، هندسة"دمغية" بالفطرة إلى جانب الجبر وعمليات الحساب. ويتم فيه إعمال الذكاء، الدهاء، العقل ودمج مهارات أخرى مختلفة. كما أن المسألة ليست مرتبطة بالزليج وحده، القضية معقدة في أبعادها الحياتية والمجتمعية المختلفة. حتى لو تناسينا الزليج وتركتاه جانبا، ماذا سنقول لكم أو تقولون لنا عن فن النقش على الخشب؟ أليس بدوره معجزة يد الصانع المغربي. وماذا عن صناعة الزرابي المبهرة؟ والطريقة التي تشتغل بها أيادي نساء المغرب في الجبال والأرياف؟ ماذا سنقول لكم عن أكلة الكسكس وطريقة تحضير الشاي المغربي؟ وماذا نحكي لكم عن صناعة الفخار ومذاق الطاجين المغربي الذي يتم تحضيره في كل المناسبات، وفي كل قرية ومدينة وبيت؟ هل سترسمونه هو الآخر على القمصان، وتدعون أنه تراث لكم؟ ثم بماذا نفسر لكم عبقرية صناعة الصوف وتوظيفها في الجلباب المغربي؟ وتحويل شعر الماعز ووبر الإبل وجلودها إلى سجاد ولباس وأحذية وخيام وحقائب يد؟ وماذا لو أضفنا إلى كل هذا البلغة والشربيل والقفطان والصينية والبراد المغربي؟ وبماذا سنشرح لكم فنون الطرز الفاسي والرباطي والمكناسي والطنجاوي والتطواني؟ وكيف نقنعكم أن الزليج والنقش على الجبس والخشب يوجد في الدور العادية بالمغرب، كما في الفيلات الفخمة، وفي كبريات الفنادق العالمية والمساجد والسقايات والرياضات المغربية، وما ترونه في لوحة فنية مبهرة بالزليج بمدخل الأمم المتحدة ما هو إلا عبقرية وهندسة الحرايفي والمعلم الزلايجي المغربي. هو وحده الذي استطاع أن يغزو العالم بأسره من دون طائرات ولا دبابات أو راجمة صواريخ، استغنى عن كل ذلك باستعمال مواد أولية غاية في البساطة (الطين الفاسي) وآليات شبه بدائية. ولكن الغريب أكثر في كل ذلك، هو أن بعض الزلايجية لم تلج أقدامهم أبدا أبواب المدسة..!! نعرف أنكم جيراننا وأحبتنا، إخوتنا في الدين واللغة والجغرافيا، ونعرف جيدا أيضا ظروفكم ونقدر أحاسيسكم ومشاعركم، ولكن هذا هو حالنا معكم، وذاك هو نصيبكم معنا. فصبر جميل، والله المستعان على كل غل أو حقد وحسد..!!
#ادريس_الواغيش (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الروائي كفيح ينتصر للغة العربية والهامش في الفقيه بن
...
-
خنيفرَة تختتم مهرجانها الدولي القصصي العاشر
-
في الحاجَة إلى الجَرّافة...!!
-
سوريا تحررت يا يعقوب..!!
-
قصة قصيرة : تَبَاريحُ الخُضَرِيّ
-
توصيات المناظرة الرابعة للإعلام في بني ملال
-
مناظرة في أبي الجعد وبني ملال تقارب العلاقة التكاملية بين ال
...
-
في مديح ماكرون للملكة المغربية الشريفة...!!
-
آنَ لخُطوط الطفل الكورسيكي كُبولاني أن تنمَحي
-
مَذاقُ الوَطن بنُكهَة العُيون
-
من أوزود إلى مرّاكش، فرَادة المَغرب المُتعَدِّد
-
التّقاعُد، آن لي أن أرتاح، قد تعبتُ من السّفر...!!
-
نوستالجيا: إحصاء، زواج وشعر...!!
-
شكري في زمن الأخطاء
-
مُنتدى “كفاءات تاونات“ يحتفي بمُتفوّقي باكالوريا 2024 في الر
...
-
ألأمين جمَال، هل خان؟ أم رَدَّ إحسانًا بإحسَان؟
-
مَشرع بلقصيري تختمُ مهرجانَ القصّة القصيرة
-
بلقصيري تعلن عن النسخة ال 15 من مهرجانها الوطني للقصة القصير
...
-
في مُواجهة تزييف الفرادَة المَغربية
-
لاهِثٌ أُلاحِقُ بَقِيّتي
المزيد.....
-
العثور على مخرج تونسي شهير بعد اختفائه فجر اليوم الخميس
-
العثور على الممثل الأميركي جين هاكمان وزوجته متوفيين داخل من
...
-
عثر على جثتيهما الى جانب كلبهما.. غموض يلف وفاة الممثل جين ه
...
-
العثور على الممثل الأمريكي جين هاكمان وزوجته ميتين في منزلهم
...
-
فلسطين ذاكرة المقاومات.. محمد بنيس يقدم شهادة ثقافية إبداعية
...
-
حرب الصورة.. كيف تقاتل حماس بالكاميرا؟
-
العثور على نجم أمريكي شهير وزوجته ميتين في منزلهما (صور)
-
بعد 43 عاما.. وثائق وصور تظهر تدمير الأسد كنائس ومساجد حماة
...
-
272 أيقونة شرقية للبناني بارز تجد طريقها إلى متحف اللوفر
-
1000 فنان يطلقون ألبوما -صامتا- احتجاجا على استغلال الذكاء ا
...
المزيد.....
-
نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر
...
/ د. سناء الشعلان
-
أدركها النسيان
/ سناء شعلان
-
مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111
/ مصطفى رمضاني
-
جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
رضاب سام
/ سجاد حسن عواد
-
اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110
/ وردة عطابي - إشراق عماري
-
تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين
/ محمد دوير
-
مذكرات -آل پاتشينو- عن -العرّاب-
/ جلال نعيم
-
التجريب والتأسيس في مسرح السيد حافظ
/ عبد الكريم برشيد
المزيد.....
|